صديق الحسيني القنوجي البخاري
42
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن أصحاب الجنة ، بعد نفي التساوي بينهم وبين أهل النار ، فقال : أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ أي الظافرون بكل مطلوب ، الناجون من كل مكروه ، وفي الآية تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم ، وقلة فكرهم في العاقبة ، وتهالكهم على إيثار العاجلة ، واتباع الشهوات ، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما ، وأن الفوز العظيم مع أصحاب الجنة ، والعذاب الأليم مع أصحاب النار فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه ، ولما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة وأهل النار ، وبين عدم التساوي بينهم في شيء من الأشياء ، ذكر تعظيم كتابه الكريم وأخبر عن جلالته ، وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب ، وترق له الأفئدة فقال : [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 21 إلى 24 ] لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ أي من شأنه وعظمته ، وجودة ألفاظه ، وقوة مبانيه وبلاغته ، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب ، أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض ، وجعل فيه تمييز كالإنسان على قساوته ، ثم أنزلنا عليه القرآن لَرَأَيْتَهُ مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة ، وضخامة الجرم خاشِعاً مُتَصَدِّعاً أي متشققا . مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ سبحانه حذرا من عقابه ، وخوفا من أن يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام اللّه ، وهذا تمثيل وتخييل ، يقتضي علو شأن القرآن ، وقوة تأثيره في القلوب ، قال ابن عباس في الآية : يقول : لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل وحملته إياه لتصدع وخشع من ثقله ، ومن خشية اللّه ، فأمر الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديد ، والتخشع والخاشع الذليل المتواضع . وعن علي وابن مسعود مرفوعا في الآية قال : « هي رقية الصداع » ورواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف رجالهما ، وأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد مسلسلا إلى ابن مسعود مرفوعا ، قاله الذهبي : هو باطل ، قيل : الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت ، ولتصدع من نزوله عليه وقد أنزلناه عليك وثبتناك له وقويناك عليه ، فيكون على هذا من باب